تواجه بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية «مينورسو» مستقبلا غير واضح، بعد فشل مجلس الأمن الدولي، الجمعة، في اعتماد مشروعي قرار متنافسين قدمتهما الولايات المتحدة وروسيا، لتجديد ولاية البعثة التي تنتهي اليوم السبت 31 أكتوبر، في تطور يهدد باستمرار واحدة من أقدم مهام حفظ السلام الأممية في المنطقة.
وجاء التعثر بعد استخدام روسيا حق النقض «الفيتو» ضد مشروع القرار الأمريكي، رغم حصوله على تأييد 11 عضوا من أصل 15، مقابل امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، فيما أخفق المشروع الروسي البديل، الذي دعا إلى تمديد ولاية البعثة عاما إضافيا دون تغيير مهامها، في الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، بعدما نال تأييد ثلاثة أعضاء فقط، وصوتت الولايات المتحدة ضده، وامتنع 11 عضوا عن التصويت، بحسب نتائج التصويت التي نقلتها وكالتا رويترز وأسوشيتد برس.
وكان المشروع الأمريكي يقترح تمديد ولاية البعثة حتى 31 أكتوبر 2027، مع إدخال تغييرات جوهرية على طبيعة عملها، من بينها تغيير اسمها بحذف الإشارة إلى الاستفتاء، لتصبح «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، إلى جانب جعل مقترح الحكم الذاتي المغربي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للمفاوضات، وتقليص المكون العسكري للبعثة، وإحالة مقترحات بشأن هيكلها ومواردها ومستقبل انتشارها إلى الأمين العام للأمم المتحدة.
وبررت واشنطن توجهها بضرورة تكييف مهمة البعثة مع التطورات السياسية، في ظل تعثر تنظيم الاستفتاء الذي أنشئت من أجله منذ أكثر من ثلاثة عقود، بينما اعتبرت موسكو أن المشروع الأمريكي يتبنى مقاربة أحادية الجانب، ويستبق نتائج المفاوضات بشأن مستقبل الإقليم، ولا يضمن الحفاظ على مبدأ تقرير المصير.
وفي المقابل، قدمت روسيا مشروعا بديلا يقضي بتمديد ولاية مينورسو عاما إضافيا وفق مهامها الحالية، مع الإبقاء على اسمها وصيغتها القائمة، دون إدخال تغييرات سياسية أو مؤسسية عليها، غير أن المشروع لم يحصل على الحد الأدنى من الأصوات اللازمة لاعتماده، ما ترك مستقبل البعثة معلقا مع اقتراب انتهاء ولايتها.
وعلى مستوى ردود الفعل، رحب المغرب بفشل تجديد ولاية البعثة، وقال القصر الملكي إن عدم التجديد يعني أن وجود البعثة وأفرادها ومعداتها في الأقاليم الجنوبية ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة، مع تأكيد الرباط استمرار التزامها بوقف إطلاق النار.
في المقابل، رحبت جبهة البوليساريو باستخدام روسيا الفيتو ضد المشروع الأمريكي، معتبرة أن الصيغة المقترحة تمس حق الصحراويين في تقرير المصير، وتفرض مسبقا إطارا سياسيا للتسوية، بينما دعت إلى الإبقاء على البعثة ومواصلة المسار الأممي.
موريتانيا أمام تطورات إقليمية جديدة
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لموريتانيا، بالنظر إلى موقعها الجغرافي بين طرفي النزاع، وارتباط أمنها واستقرار محيطها الإقليمي بمآلات الخلاف حول الصحراء الغربية، فضلا عن علاقاتها السياسية والاقتصادية والأمنية بكل من المغرب والجزائر.
كما أن موريتانيا حاضرة في المسار الدبلوماسي المتعلق بالنزاع، باعتبارها أحد الأطراف المعنية بالمفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة، وهو ما يجعل أي تغيير في الإطار الأممي لإدارة الملف مؤثرا في البيئة التي تتحرك فيها الدبلوماسية الموريتانية.
ويثير احتمال انتهاء ولاية مينورسو تساؤلات بشأن مستقبل مراقبة وقف إطلاق النار، وآليات التحقق من التطورات الميدانية، ودور الأمم المتحدة في منع التصعيد بين المغرب وجبهة البوليساريو، خصوصا أن التوترات العسكرية المحدودة مستمرة منذ إعلان الجبهة استئناف العمل المسلح في نوفمبر 2020.
مستقبل البعثة والعملية السياسية
وتأسست مينورسو عام 1991 في إطار خطة التسوية الأممية التي هدفت إلى مراقبة وقف إطلاق النار وتنظيم استفتاء يتيح لسكان الصحراء الغربية تحديد مستقبل الإقليم، غير أن الخلافات بشأن شروط الاستفتاء والهيئة الناخبة حالت دون تنظيمه طوال أكثر من 35 عاما.
ولا يعني انتهاء الولاية تلقائيا حسم النزاع أو انتهاء دور الأمم المتحدة السياسي، لكنه يضع مستقبل الوجود الميداني للبعثة ومهامها الرقابية أمام حالة من عدم اليقين، في انتظار أي تحرك جديد داخل مجلس الأمن للتوصل إلى صيغة توافقية.
ويأتي هذا التعثر في وقت تتباين فيه مواقف القوى الدولية بشأن مستقبل الصحراء الغربية، بين توجه أمريكي يدفع نحو اعتماد الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، وموقف روسي يدعو إلى الإبقاء على الإطار الأممي القائم، بما يعكس اتساع الخلاف داخل مجلس الأمن حول كيفية إدارة أحد أكثر النزاعات تعقيدا في شمال إفريقيا.


