
من أبيدجان إلى جدة... كيف تكسب موريتانيا معاركها الدبلوماسية؟
د. الشيخ يب أعليات
تواتر، منذ ساعات الصباح، خبر واحد في عدد من المواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، وهو انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد أمينا عاما لمنظمة التعاون الإسلامي بإجماع الدول الأعضاء.
واتخذ الاحتفاء صُورا متعددة؛ احتفى بعضه بالرجل ومسيرته الدولية الطويلة، بينما ذهب تحليل آخر إلى قراءة الحدث بوصفه نجاحا جديدا للدبلوماسية الموريتانية.
وبعد ساعات، اعتمدت رئاسة الجمهورية التوصيف ذاته في بيان رسمي تحدث عن «نجاح دبلوماسي مهم»، معربة عن الشكر لقادة الدول الشقيقة والصديقة على ما قدموه لمرشح البلاد من «دعم وثقة ومساندة».
استوقفني التوصيف لاتصاله بمشهد سابق؛ فقبل أكثر من عام، حملت الأخبار القادمة من أبيدجان مشهدا مشابها: مرشح موريتاني آخر، هو سيدي ولد التاه، يخوض سباقا على رئاسة البنك الإفريقي للتنمية، وتتحرك خلفه الدولة في عواصم مُتعددة، ليتوج التصويت بفوزه برئاسة إحدى أهم المؤسسات المالية في القارة.
يفصل بين أبيدجان وجدة أكثر من خمسة آلاف كيلومتر، كما يتسع الفارق بين البنك الإفريقي للتنمية ومنظمة التعاون الإسلامي ليشمل طبيعة المؤسستين، وتركيبة العضوية، وموازين التحالفات داخل كل منهما.
غير أن الاسم الموريتاني برز في المدينتين بالقالب نفسه تقريبًا؛ مرشح يدخل سباقا دوليا، وتضع الدولة ثقلها الدبلوماسي خلفه، لينتهي المسار بوصوله إلى قيادة المؤسسة.
واليوم، بينما تستمر أصداء نجاح جدة، تخوض نواكشوط سباقا ثالثا؛ إذ أعلنت في أبريل الماضي ترشيح الدكتورة كمبا با لمنصب الأمين العام للمنظمة الدولية للفرنكوفونية، وبدأت تحركات لحشد الدعم لترشيحها شملت عواصم إفريقية متعددة.
يحوّل هذا التتابع وصف ما حدث في جدة بأنه «نجاح دبلوماسي» إلى مدخل لسؤال أكثر أهمية وهو كيفاستطاعت نواكشوط، في تجربتين متتاليتين وداخل فضاءين مختلفين، تحويل شبكة علاقاتها الخارجية إلى أصوات ونتائج حاسمة داخل المؤسسات الدولية؟
يقتضي تفكيك هذه الديناميكية العودة إلى أبيدجان، حيث ظهرت بوضوح ملامح هذا النوع من التحرك الدبلوماسي،فلم يكن السباق على رئاسة البنك الإفريقي للتنمية سهلا؛ إذ تنافس فيه خمسة مرشحين، وكان يتعين على الفائز نيل الأغلبية المطلوبة داخل مؤسسة تضم 81 دولة مساهمة، 54 منها إفريقية و27 من خارج القارة.
وحسم ولد التاه السباق في الجولة الثالثة بحصوله على 76.18 في المائة من مجموع الأصوات، وهي أعلى نسبة يُحققها رئيس منتخب لولاية أولى في تاريخ البنك.
تستند هذه النتيجة، في جانب منها، إلى المؤهلات الشخصية للمرشح؛ إذ خاض ولد التاه السباق بخبرة تمتد لأربعة عقود في مجالات الاقتصاد والتمويل والتنمية، مع قضائه عشر سنوات على رأس البنك العربي للتنمية الاقتصادية في إفريقيا، إلى جانب تجارب وزارية سابقة.
غير أن الكفاءة الذاتية، مهما بلغت، لا تجمع وحدها أصوات عشرات الدول؛ فالانتخابات داخل المؤسسات الدولية لا تقتصر على تقييم السير الذاتية، بل تمثل عملية دبلوماسية متكاملة، تتطلب بناء التحالفات واستقطاب أصوات الدول وتحويل رصيد العلاقات السابقة إلى أرقام في صندوق التصويت.
وهنا يتجلى البعد الآخر لنجاح أبيدجان؛ فقد وضعت موريتانيا ثقلها خلف مرشحها، ونشطت لحشد التأييد في دوائر إفريقية ودولية متعددة، لتظهر النتيجة النهائية أن الفوز لم يكن حدثا فرديا مقطوعا عن الجهد الدبلوماسي الذي سبقه.
وإذا كانت أبيدجان قد قدمت النموذج الأول، فإن جدة أعادت إنتاج المعادلة نفسها، ولكن داخل فضاء مختلف تماما؛ فإسماعيل ولد الشيخ أحمد لم يكن بدوره بحاجة إلى التعريف بمسيرته؛ فالرجل قادم من عمل طويل داخل منظومة الأمم المتحدة، وإدارة ملفات سياسية وإنسانية معقدة، من اليمن وليبيا إلى الاستجابة الأممية لأزمة إيبولا، قبل توليه وزارة الخارجية ثم إدارة ديوان الرئاسة.
ومع ذلك، لم تراهن نواكشوط على المؤهلات المهنية وحدها؛فمنذ الإعلان الرسمي عن الترشيح في أبريل، تحركت الدبلوماسية لحشد التأييد عبر مسارات متعددة، ونقل مبعوثون رئاسيون رسائل من رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى قادة دول، بالتوازي مع اتصالات ولقاءات شملت حكومات إفريقية وعربية وإسلامية.
ولم تقتصر النتيجة هذه المرة على حسم المنصب، بل جاءت بتزكية مرشح البلاد بإجماع الدول الأعضاء في منظمة تضم 57 دولة موزعة على أربع قارات، وفق ما أعلنته رئاسة الجمهورية في بيانها الصادر عقب الانتخاب.
وتكتسب هذه النتيجة دلالتها من اتساع الفضاء الذي تحقق داخله الإجماع؛ فهي لا تعبر فقط عن القبول بالسيرة المهنية للمرشح، وإنما تعكس كذلك نجاح الحملة التي سبقت الانتخاب في توسيع قاعدة التأييد بين دول تتفاوت في مصالحها وتوجهاتها وحساباتها السياسية.
وعند هذه النقطة يلتقي مسارا أبيدجان وجدة، ففي الحالتين قدمت موريتانيا شخصية ذات رصيد مهني معتبر، ثم أسندتها بشبكة العلاقات الرسمية للدولة، واستطاعت تحويل التقاء كفاءة المرشح بالتحرك الدبلوماسي إلى أغلبية مريحة في أبيدجان، وإلى إجماع في جدة.
وبذلك يصعب النظر إلى المحطتين بوصفهما نجاحين منفصلين تماما؛ فحين تحقق دولة نتيجة مُتقدمة في مؤسسة إفريقية ذات بعد دولي، ثم تُعيد بعد فترة قصيرة بناء قبول واسع داخل منظمة إسلامية تضم دُولا من قارات مُختلفة، فإن ذلك يُشير إلى خبرة دبلوماسية تتراكم، وقدرة على قراءة خرائط التأييد والتصويت داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
لكن دلالة التجربتين لا تقف عند النتيجة؛ إذ تكشف المقارنة بينهما أيضا تنوع الدوائر التي تستطيع الدبلوماسية الموريتانية التحرك داخلها.
ففي أبيدجان، كان مركز الثقل إفريقيا، مع ضرورة استقطاب أصوات دول مساهمة من خارج القارة؛ وفي جدة، اتسعت دائرة التحرك إلى فضاء إسلامي تتقاطع داخله الأولويات العربية والإفريقية والآسيوية.
ومع ترشيح كمبا با، تنتقل المحاولة إلى دائرة ثالثة، هي الفضاء الفرنكوفوني.
وتجسد هذه الدوائر الثلاث – الإفريقية والإسلامية والفرنكوفونية – جانبا مهما من الملامح الجيوسياسية للموقع الخارجي لموريتانيا.
ذلك أنَ البلاد لا تمتلك الوزن الديمغرافي أو الاقتصادي للعديد من القوى الإقليمية، لكنها تتميز بوجودها عند تقاطع فضاءات عربية وإفريقية ومغاربية وإسلامية وفرنكوفونية، مع قدرتها على الاحتفاظ بقنوات تواصل وعلاقات مع أطراف مختلفة.
وتكمن أهمية هذا الموقع، دبلوماسيا، في كيفية استثماره؛فما تكشفه تجربتا أبيدجان وجدة هو أن نواكشوط استطاعت تحويل تعدد دوائر انتمائها وعلاقاتها إلى مساحة للحركة وبناء التأييد تتجاوز ما قد يوحي به وزنها المادي المباشر.
وهذا تحديدا أحد المجالات التي تستطيع فيها الدول الصغيرة والمتوسطة تعويض محدودية أدوات القوة التقليدية؛ أي بناء التحالفات، وتوسيع شبكة العلاقات، واستثمار الثقة داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
وبطبيعة الحال، لا يعني وصول مواطن موريتاني إلى قيادة مؤسسة دولية تحول تلك المؤسسة إلى امتداد لنفوذ بلده؛ فالمسؤول الدولي يعمل وفق أنظمة المنظمة ويمثل مجموع أعضائها.
لكن القدرة على تحصيل ثقة عشرات الدول وإقناعها باختيار مرشح تقدمه نواكشوط تعكس، في ذاتها، رصيدا من الثقة وفاعلية في إدارة أدوات الإقناع الدبلوماسي.
ومن هنا يكتسب ترشيح كمبا با للأمانة العامة للفرنكوفونية معنى يتجاوز إضافة اسم ثالث إلى القائمة؛ فهو ينقل المقاربة نفسها إلى ساحة جديدة.
وقد بدأت تحركات الدعم بالفعل؛ ففي مايو الماضي حمل وزير الشؤون الاقتصادية رسالة من رئيس الجمهورية إلى رئيس غينيا الاستوائية تناولت، ضمن ملفاتها، الترشيح الموريتاني، بمشاركة المرشحة نفسها لعرض رؤيتها.
وسيخضع هذا السباق، بطبيعة الحال، لتوازناته الخاصة داخل الفضاء الفرنكوفوني، ولا يمكن استباق نتائجه.
غير أن المقاربة الدبلوماسية تبدو مألوفة وهي تقديم كفاءة وطنية، ثم تعبئة شبكة العلاقات السياسية للدولة خلفها.
ولعل هذا يُعيدنا إلى «النجاح الدبلوماسي» الذي تردد وصفا لانتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد منذ ساعات الصباح.
إنَ النجاح هنا لا يكمن فقط في وصول موريتاني إلى منصب دولي جديد، وإنما أيضا في قُدرة دولة محدودة الوزن الديمغرافي والاقتصادي على اختيار الساحات التي يمكن أن تكون فيها علاقاتها وكفاءاتها أكثر تأثيرا، ثم تحويل ما راكمته من ثقة إلى نتيجة سياسية ملموسة.
ففي أبيدجان تحقق ذلك مع سيدي ولد التاه، وفي جدة تكرر مع إسماعيل ولد الشيخ أحمد، وفي الفضاء الفرنكوفوني تتواصل المحاولة مع كمبا با.
وفي غياب أدوات القوة التي تتيح للدول الكبرى فرض خياراتها، تصبح القدرة على الإقناع أكثر دلالة.
وفي الدبلوماسية، لا يُقاس حضور الدول الصغيرة دائما بمقدار ما تستطيع فرضه، بل أحيانا بمقدار ما تستطيع أن تجعل الآخرين يختارونه معها.




